الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

368

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

إشكال في تنوين سَلْسَبِيلًا . وأما الجواليقي : إنه أعجمي سمّي به ، يكون تنوينه للمزاوجة مثل تنوين سلاسلا [ الإنسان : 4 ] . وهذا الوصف ينحلّ في السمع إلى كلمتين : سل ، سبيلا ، أي اطلب طريقا . وقد فسره بذلك بعض المفسرين وذكر أنه جعل علما لهذه العين من قبيل العلم المنقول عن جملة مثل : تأبط شرا ، وذرّى حبّا . وفي « الكشاف » أن هذا تكلف وابتداع . [ 19 ] [ سورة الإنسان ( 76 ) : آية 19 ] وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً ( 19 ) هذا طواف آخر غير طواف السقاة المذكور آنفا بقوله : وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ [ الإنسان : 15 ] إلخ فهذا طواف لأداء الخدمة فيشمل طواف السقاة وغيرهم . و وِلْدانٌ : جمع وليد وأصل وليد فعيل بمعنى مفعول ويطلق الوليد على الصبي مجازا مشهورا بعلاقة ما كان ، لقصد تقريب عهده بالولادة ، وأحسن من يتخذ للخدمة الولدان لأنهم أخف حركة وأسرع مشيا ولأن المخدوم لا يتحرج إذا أمرهم أو نهاهم . ووصفوا بأنهم مُخَلَّدُونَ للاحتراس مما قد يوهمه اشتقاق وِلْدانٌ من أنهم يشبون ويكتهلون ، أي لا تتغير صفاتهم فهم ولدان دوما وإلّا فإن خلود الذوات في الجنة معلوم فما كان ذكره إلّا لأنه تخليد خاص . وقال أبو عبيدة مُخَلَّدُونَ : محلّون بالخلدة بوزن قردة . واحدها خلد كقفل وهو اسم للقرط في لغة حمير . وشبهوا باللؤلؤ المنثور تشبيها مقيّدا فيه المشبه بحال خاص لأنهم شبهوا به في حسن المنظر مع التفرق . وتركيب إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ مفيد للتشبيه المراد به التشابه والخطاب في رَأَيْتَ [ الإنسان : 20 ] خطاب لغير معين ، أي إذا رآه الرائي . والقول في معنى الطواف تقدم عند قوله تعالى : وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ الآية [ الإنسان : 15 ] . [ 20 ] [ سورة الإنسان ( 76 ) : آية 20 ] وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً ( 20 ) الخطاب لغير معين . و ثَمَّ إشارة إلى المكان ولا يكون إلّا ظرفا والمشار إليه هنا